حسين مروّة
(1908–1987)
حسين مروّة: سيرة مفكّر ومناضل شيوعي لبناني
يُعدّ حسين مروّة أحد أبرز المفكرين الماركسيين في العالم العربي خلال القرن العشرين. جمع في تجربته بين دراسة العلوم الإسلامية، والانخراط في الحركة الشيوعية، والبحث الفلسفي والتاريخي، وسعى إلى قراءة التراث العربي والإسلامي من منظور مادي تاريخي وجدلي، بعيدًا عن التعامل معه بوصفه منظومة فكرية ثابتة ومنفصلة عن المجتمع والصراعات التاريخية.
لم يكن حسين مروّة مجرد منتسب إلى حزب شيوعي، بل كان صاحب مشروع فكري أراد من خلاله تطوير الفكر الماركسي العربي، وإقامة صلة نقدية بين التراث المحلي والفلسفة المادية الحديثة. وقد انتهت حياته بالاغتيال في بيروت في 17 شباط/فبراير 1987.
أولًا: النشأة والتكوين الديني
وُلد حسين مروّة في قرية حداثا في جنوب لبنان، في جبل عامل، نحو عام 1908 وفق روايته عن تاريخ ميلاده، بينما تورد مصادر عديدة عام 1910. نشأ في أسرة دينية، وكان والده من رجال الدين، ولذلك أُرسل عام 1924 إلى النجف في العراق لدراسة العلوم الإسلامية، في مسار كان يُفترض أن يقوده إلى أن يصبح رجل دين مثل أبيه.
أمضى مروّة سنوات طويلة في النجف، ودرس العلوم الدينية واللغة والأدب، لكنه لم يحصر اهتمامه في المقررات التقليدية. فقد اتجه إلى قراءة الأدب والفلسفة والتيارات الفكرية الحديثة، واطّلع على كتابات مفكرين مثل إسماعيل مظهر وشبلي شميّل، اللذين أسهما في توسيع أفقه النقدي والعلمي.
شكّلت هذه المرحلة المفارقة الأساسية في حياته: فقد انطلق من داخل المؤسسة الدينية التقليدية، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز النقاد الماركسيين للتراث العربي والإسلامي. ولم يكن انتقاله الفكري مجرد تخلي عن دراسة التراث، بل تحولًا في الطريقة التي يفهمه بها والأسئلة التي يطرحها عليه.
ثانيًا: اكتشاف الماركسية والانتقال إلى الشيوعية
لم يحدث التحول الفكري لدى حسين مروّة دفعة واحدة، بل تبلور عبر احتكاكه بالتيارات التنويرية والاشتراكية، ثم تعرّفه إلى الفكر الماركسي في العراق. وقد أسهم الشيخ حسين محمد الشبيبي، وهو من الشخصيات الشيوعية العراقية، في تعريفه إلى كتابات ماركس والاشتراكية العلمية.
وجد مروّة في الماركسية منهجًا لتفسير المجتمع والتاريخ، يتجاوز تفسير الظواهر الاجتماعية انطلاقًا من الأفكار المجردة وحدها. وأخذ ينظر إلى الفكر والدين والفلسفة والأدب باعتبارها ظواهر تتشكل داخل شروط تاريخية واجتماعية محددة.
وفي عام 1948، شارك في الحركة الوطنية العراقية، المعروفة باسم «الوثبة»، التي واجهت النفوذ البريطاني والسياسات الحكومية المرتبطة به. وبعد عودة نوري السعيد إلى الحكم عام 1949، أُبعد مروّة عن العراق مع أسرته، وسُحبت منه الجنسية العراقية التي كان قد اكتسبها خلال إقامته الطويلة هناك.
عاد إلى لبنان، لكن عودته لم تكن نهاية نشاطه السياسي والفكري، بل بداية مرحلة جديدة من العمل المنظم في الحركة الشيوعية اللبنانية.
ثالثًا: حسين مروّة في الحزب الشيوعي اللبناني
بعد عودته إلى بيروت، استأنف مروّة نشاطه الصحفي والثقافي، وكتب عموده اليومي «مع القافلة» في جريدة «الحياة». كما شارك في تأسيس مجلة «الثقافة الوطنية» مع شخصيات من الحركة الشيوعية والثقافية اللبنانية، من بينها فرج الله الحلو وأنطون تابت ومحمد دكروب.
في عام 1951، انضم رسميًا إلى الحزب الشيوعي اللبناني، وأصبح العمل الثقافي والصحفي جزءًا أساسيًا من نشاطه السياسي.
تدرّج في المسؤوليات الحزبية، وانتُخب عام 1965 عضوًا في اللجنة المركزية للحزب، ثم أصبح عضوًا في مكتبه السياسي. وانضم كذلك إلى حركة أنصار السلم عام 1952، في إطار النشاط الشيوعي المناهض للحرب والاستعمار والداعي إلى السلام.
ومنذ عام 1966، تولّى رئاسة تحرير مجلة «الطريق»، التي أصبحت من أبرز المنابر الفكرية الماركسية في العالم العربي. واستمر في هذا الموقع حتى اغتياله عام 1987.
لم يكن دوره الحزبي منفصلًا عن عمله الفكري؛ فقد ساهم في إعداد بيئة ثقافية عربية تناقش الماركسية والفلسفة والتاريخ والأدب، وتسعى إلى وصل النظرية الثورية بقضايا المجتمع العربي وتاريخه.
رابعًا: مشروعه الفكري — قراءة التراث بمنهج ماركسي
تتمثل المساهمة الأهم لحسين مروّة في مشروعه لإعادة قراءة التراث العربي والإسلامي باستخدام المنهج المادي التاريخي والجدلي.
كان ينطلق من أن التراث ليس كتلة واحدة متجانسة، ولا تعبيرًا عن عقل عربي ثابت عبر العصور، بل هو نتاج تاريخ طويل من التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تتفاعل داخله اتجاهات فكرية متعارضة.
ومن هذا المنطلق، رفض اختزال التاريخ الفكري العربي في التيارات الدينية والفلسفية التي غلبت عليها المؤسسات الرسمية أو التفسيرات المحافظة. وسعى إلى الكشف عن الاتجاهات العقلانية والمادية والنقدية التي ظهرت في الفلسفة العربية والإسلامية، وعن الظروف الاجتماعية التي ساعدت على نشوئها.
كتابه الأبرز: «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»
يُعدّ هذا العمل من أبرز مؤلفات مروّة، وقد صدر في أواخر السبعينيات. وفيه حاول تقديم قراءة جديدة لتاريخ الفلسفة العربية والإسلامية، بالبحث عن عناصرها المادية والعقلانية، وربط تطور الأفكار بالصراعات والتحولات التاريخية.
وتقوم أهمية هذا المشروع على ثلاثة مستويات:
- نقد القراءة المثالية للتاريخ: رفض تفسير الأفكار بمعزل عن شروطها الاجتماعية والتاريخية.
- إعادة اكتشاف التراث: البحث عن تيارات فلسفية وعقلانية لم تحظَ بالاهتمام الكافي في القراءات التقليدية.
- تطوير الماركسية العربية: محاولة جعل الماركسية أداة لفهم التاريخ العربي نفسه، لا مجرد منظومة نظرية مستوردة تُطبّق عليه بصورة آلية.
لم يكن هدفه، وفق اتجاه مشروعه، إثبات أن جميع الفلاسفة المسلمين كانوا ماديين بالمعنى الماركسي، بل إعادة فحص تاريخ الفلسفة وتناقضاته وإمكاناته من منظور نقدي تاريخي.
خامسًا: الماركسية والتراث — ما الذي أراد حسين مروّة إثباته؟
تكمن خصوصية تجربة مروّة في أنه لم يرَ تناقضًا يستحيل تجاوزه بين الانتماء إلى الماركسية والاشتغال على التراث العربي والإسلامي.
فبالنسبة إليه، لا ينبغي أن تكون الماركسية مجرد ترديد للنصوص الكلاسيكية أو استنساخ التجربة الأوروبية، بل منهجًا لتحليل الواقع والتاريخ المحليين. وبالمثل، لا ينبغي التعامل مع التراث باعتباره سلطة مقدسة خارج التاريخ، بل باعتباره مجالًا للصراع الفكري والاجتماعي.
ومن هنا يمكن فهم مشروعه باعتباره محاولة للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن لحركة شيوعية عربية أن تتبنى المنهج الماركسي، وفي الوقت نفسه تفهم تاريخ مجتمعاتها وتراثها من الداخل؟
أراد مروّة تجاوز موقفين متقابلين: موقف يرفض التراث كله باعتباره رجعيًا، وموقف يقدّسه ويرفض إخضاعه للنقد. وقد سعى بدلًا من ذلك إلى تفكيكه تاريخيًا، واستخراج عناصره المتعددة والمتناقضة.
ومع ذلك، يظل مشروعه قابلًا للنقاش النقدي، خصوصًا بشأن حدود تطبيق المفاهيم الماركسية الحديثة على فلاسفة عاشوا في سياقات تاريخية مختلفة. وهذه المسألة جزء من أهمية عمله، لا نقيض لها.
سادسًا: أبرز مؤلفاته وأعماله
من أهم الكتب والأعمال المرتبطة بمسيرته الفكرية:
«النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية»: مشروعه الفلسفي الأبرز، وفيه يعيد قراءة التراث من منظور مادي تاريخي وجدلي.
«تراثنا كيف نعرفه»: يتناول كيفية دراسة التراث وفهمه فهمًا نقديًا تاريخيًا، بدلًا من التعامل معه باعتباره موروثًا ثابتًا.
«دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي»: مجموعة من الدراسات النقدية التي تعكس اهتمامه بالأدب والفكر والمنهج الواقعي.
«وُلدت شيخًا وأموت طفلًا»: كتاب ذو طابع سيري يستعيد فيه مروّة جوانب من حياته وتكوينه الفكري، ويتيح فهم المسافة التي قطعها بين نشأته الدينية وانخراطه في الفكر الماركسي.
ومن أعماله أيضًا «دراسات في الفكر والأدب» و«الثورة العراقية». وإلى جانب التأليف، كانت كتاباته الصحفية وتحريره لمجلة «الطريق» جزءًا أساسيًا من حضوره في الحياة الثقافية والسياسية العربية.
سابعًا: اغتياله وإرثه في الحركة الشيوعية العربية
في 17 شباط/فبراير 1987، اغتيل حسين مروّة في منزله في بيروت، بعد أن أطلق مسلحون مجهولون النار عليه. وجاء اغتياله في مرحلة اتسمت بالصراعات السياسية والطائفية والعسكرية الحادة في لبنان.
كان اغتياله ضربة للمشهد الثقافي الماركسي العربي، إذ لم يكن مجرد كاتب أو باحث، بل مفكرًا سعى إلى تطوير علاقة نقدية بين الماركسية والتاريخ العربي، وشارك في بناء مؤسسات ثقافية وحزبية استمرت في التأثير بعد رحيله.
وقد بقي كتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» مرجعًا مهمًا في النقاشات المتعلقة بالتراث والفلسفة العربية والمنهج المادي التاريخي، سواء لدى من يتبنون أطروحاته أو لدى من يناقشونها وينتقدونها.
خاتمة: حسين مروّة بوصفه مثقفًا شيوعيًا
تتجاوز أهمية حسين مروّة حدود سيرته الحزبية. فقد مثّل نموذجًا للمثقف الذي أراد الجمع بين الالتزام السياسي والبحث الفكري، وبين الانخراط في الحركة الشيوعية وإعادة النظر النقدية في التراث المحلي.
ومن منظور تاريخ الحركة الشيوعية العربية، تتمثل مساهمته الكبرى في محاولته جعل الماركسية أداة لفهم المجتمع العربي وتاريخه، بدل الاكتفاء باستيراد نتائج التجربة الأوروبية أو التعامل مع التراث بوصفه ميراثًا مغلقًا.
إن حسين مروّة لم يكتفِ بأن يكون شيوعيًا في انتمائه السياسي؛ بل حاول أن يجعل من الماركسية منهجًا للبحث في تاريخ الأفكار العربية، ومن دراسة التراث مجالًا للصراع ضد الجمود الفكري. وهذا ما يمنح تجربته مكانتها الخاصة في تاريخ الفكر الماركسي العربي في القرن العشرين.